MyDomuni
DOMUNI UNIVERSITAS

الأخبار

هايدغر أو ضرورة أن نتعلّم من جديد كيف نسكن العالم

هايدغر أو ضرورة أن نتعلّم من جديد كيف نسكن العالم

26 أغسطس 2026

تَعِدُ التقنية بالكفاءة والسيطرة والتقدّم. لكن، كلما ازداد الإنسان قدرةً على تحويل العالم، ألا يعرّض نفسه لخطر فقدان معنى وجوده؟ في كتاب هايدغر والحداثة، يقدّم جاك أتومبري يوبوا قراءة واضحة ومعاصرة لفكر مارتن هايدغر، مبيّناً كيف لا يزال تشخيصه يلقي الضوء على التحديات الأخلاقية والعلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية في عصرنا.

الحداثة: وعدٌ تحوّل إلى سؤال

يحتفي عصرنا بالابتكار والسرعة والأداء. فالذكاء الاصطناعي، والعولمة، والاستغلال المكثّف للموارد جعلت البشرية تغيّر بيئتها أكثر من أي وقت مضى. غير أنّ وراء هذا النجاح يبرز سؤال أعمق: ماذا يصبح الإنسان عندما يُنظر إلى كل شيء من زاوية الكفاءة وحدها؟

هذا هو السؤال الذي يدور حوله كتاب هايدغر والحداثة. فجاك أتومبري يوبوا لا يكتفي بتقديم أحد أعظم فلاسفة القرن العشرين، بل يبيّن لماذا لا يزال فكره ضرورياً لفهم عالمنا اليوم. وتكتسب تحليلات هايدغر راهنية جديدة في حضارة تهيمن عليها الخوارزميات والبيانات والسعي الدائم إلى الأداء.

وبأسلوب واضح دون إخلال بعمق الفكر، يقود هذا الكتاب القارئ عبر أهم مفاهيم هايدغر، رابطاً إياها باستمرار بقضايا العصر.

قراءة أخرى للحداثة

لا تعني الحداثة عند هايدغر مجرد حقبة تاريخية، بل هي طريقة خاصة لفهم العالم. فشيئاً فشيئاً، يكفّ الإنسان عن السكن في العالم ليجعل همّه الأول السيطرة عليه. فتتحول الطبيعة إلى مخزون من الموارد، والكائنات إلى أشياء متاحة للاستعمال، بل وحتى العلاقات الإنسانية قد تُقاس بمنفعتها فقط.

ويبيّن جاك أتومبري يوبوا أن هذا التحول ليس مجرد نتيجة للتقدم العلمي، بل هو متجذر في تاريخ الميتافيزيقا الغربية بأكمله. فمنذ قرون، مهد تصور معين للوجود لظهور عالم يصبح فيه كل شيء قابلاً للحساب والقياس والاستغلال.

ومن هذا المنظور، يتجاوز الكتاب الانتقادات السطحية للتكنولوجيا. فهايدغر لا يدين التقدم، بل يتساءل عن الطريقة التي يغيّر بها علاقتنا بالعالم.

فكر يضيء حاضرنا

تكمن قوة هايدغر في قدرته على طرح أسئلة ما تزال ملحّة حتى اليوم. كيف نحافظ على حرية حقيقية في عالم تحكمه الأنظمة التقنية؟ وكيف نستمر في لقاء الآخرين لقاءً أصيلاً عندما تغزو منطقية الأداء جميع مجالات الحياة؟ وكيف نسكن الأرض من دون اختزال الطبيعة إلى مجرد مخزون من الموارد؟

تكتسب هذه الأسئلة اليوم أهمية خاصة في ظل الأزمات البيئية، والتحولات الرقمية، والتسارع الاقتصادي.

ولا يدعو هايدغر إلى العودة الحنينية إلى الماضي، بل يدعونا إلى استعادة طريقة أخرى للحضور في العالم، تقوم على الإصغاء والانتباه واحترام ما يتجاوز منطق الحساب. وفي زمن مفتون بالسيطرة، تبدو هذه الدعوة إلى الاستقبال بدلاً من الهيمنة ذات راهنية استثنائية.

من ديكارت إلى نيتشه: فهم تاريخ الحداثة

تكمن إحدى أهم مزايا هذا الكتاب في إعادة قراءة تاريخ الفلسفة.

فقد جعل ديكارت الذات المفكّرة أساس كل يقين، ثم عمّق كانط مركزية الذات، بينما كشف نيتشه عن العدمية التي صاحبت انهيار القيم التقليدية.

ويحاور هايدغر هؤلاء جميعاً ليبيّن أنهم يشتركون في تاريخ أوسع، هو تاريخ النسيان التدريجي لسؤال الوجود. ومن خلال هذه الرحلة في الفلسفة الغربية، يفهم القارئ كيف تشكّلت طريقتنا الحديثة في التفكير بالعالم.

التقنية بوصفها طريقة لكشف الواقع

من أهم إسهامات الكتاب تصحيح فكرة شائعة: فهايدغر ليس معارضاً للآلات ولا للاكتشافات العلمية.

إن ما ينتقده هو أن تصبح التقنية تدريجياً الطريقة الوحيدة لفهم الواقع. فعندما يُقاس كل شيء بمعيار الكفاءة وحده، يفقد العالم عمقه الرمزي والثقافي والروحي.

ويجد هذا التحليل اليوم صدىً خاصاً في عصر الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والاقتصاد الرقمي. ولا يقدّم فكر هايدغر حلولاً تقنية لهذه التحديات، بل يعلّمنا قبل كل شيء كيف نطرح الأسئلة الصحيحة.

أن نسكن العالم بدلاً من امتلاكه

تتبلور عبر صفحات الكتاب فكرة أساسية مفادها أن أزمة الحداثة هي، قبل كل شيء، أزمة في علاقتنا بالوجود. فكلما سعينا إلى تفسير كل شيء والتنبؤ به والسيطرة عليه، ازداد خطر فقدان قدرتنا على الدهشة.

ومن هنا يدعونا هايدغر إلى أن نتعلّم من جديد كيف «نسكن العالم». ولا تشير هذه العبارة إلى مجرد أسلوب حياة أكثر بساطة، بل تعبّر عن موقف أساسي يعترف بأن الإنسان ليس مالكاً للوجود، بل حارسه. فالسكن يعني الاستقبال، والإصغاء، والرعاية.

ويبرز جاك أتومبري يوبوا هذا البعد الإيجابي في فكر هايدغر. فالفيلسوف الذي يُقدَّم كثيراً على أنه فيلسوف التشاؤم يفتح في الواقع أفقاً من الرجاء: حتى في عالم تهيمن عليه التقنية، لا يزال من الممكن استعادة علاقة أكثر أصالة بالواقع.

تأمل أخلاقي عميق

يبين الكتاب أيضاً أن فكر هايدغر يحمل بعداً أخلاقياً بالغ الأهمية. فعندما يصبح كل شيء موضوعاً للحساب، قد يُختزل الأشخاص أنفسهم إلى إنتاجيتهم أو منفعتهم.

وعلى العكس من ذلك، يدعونا هايدغر إلى اكتشاف مسؤولية أعمق تجاه الآخرين، وتجاه الطبيعة، وتجاه الوجود ذاته. وهذه المسؤولية ليست قاعدة أخلاقية تُفرض من الخارج، بل تنبع من الطريقة التي نسكن بها العالم.

وتلقي هذه القراءة ضوءاً جديداً على كثير من التحديات المعاصرة، مثل الأزمة البيئية، والعولمة الثقافية، وهيمنة المنطق الاقتصادي.

مدخل إلى فكر هايدغر

قد يبدو الاقتراب من هايدغر أمراً صعباً بسبب شهرة لغته الفلسفية المعقدة. غير أن من أبرز مزايا جاك أتومبري يوبوا أنه يجعل هذا الفكر في متناول القارئ دون أن يفرّط في عمقه. فالمفاهيم الأساسية تُشرح بمنهجية، وتوضع في سياقها، وتُربط باستمرار بقضايا العصر.

ولهذا يتوجّه الكتاب إلى طلاب الفلسفة وإلى كل قارئ يرغب في فهم التحولات التي تشهدها حضارتنا.

التفكير في المستقبل بطريقة مختلفة

لماذا نقرأ هايدغر اليوم؟ لأن الأسئلة التي يطرحها لم تكن يوماً أكثر إلحاحاً مما هي عليه الآن. ففي زمن يعيد فيه الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية، والضرورات الاقتصادية رسم مجتمعاتنا، يصبح من الضروري التفكير في مكانة الإنسان داخل هذا العالم التقني.

وتكمن قيمة عمل جاك أتومبري يوبوا في أنه يبرهن على أن هذا التأمل لا يقود إلى رفض التقدم ولا إلى رؤية كارثية للحداثة، بل يدعو إلى استعادة توازن تبقى فيه القوة التقنية في خدمة الإنسان.

وهكذا فإن هايدغر والحداثة ليس مجرد مقدمة إلى أحد أهم الأعمال الفلسفية، بل هو دعوة إلى ممارسة التمييز، وإعادة التفكير في أسس عصرنا، والتساؤل، قبل كل شيء، عما إذا كنا ما زلنا نعرف حقاً كيف نسكن العالم الذي نبنيه كل يوم.

هذا الكتاب متوفر باللغة الفرنسية.

اكتشف الكتاب واقتنِه بنسخته الورقية أو الرقمية