DOMUNI UNIVERSITAS

الأخبار

القديس ألبرت الكبير... شخصية ذات أهمية راسخة

القديس ألبرت الكبير... شخصية ذات أهمية راسخة

18 نوفمبر 2023

يُحتفل هذا الأسبوع بعيد القديس ألبرت الكبير، المعروف أيضًا باسم ألبرتوس ماغنوس، وهو عالمٌ وفيلسوفٌ ولاهوتيٌّ بارزٌ عاش في القرن الثالث عشر. صحيحٌ أنّ قرونًا عدّة مرّت على زمن هذا القدّيس، غير أنه لا يزال شخصيةً بارزة تتمتّع بأهمية راسخة في مجالات عدّة، بحيث قدّم مساهمات كثيرة في مجالات العلوم والفلسفة واللاهوت ما زالت حتّى يومنا هذا مصدر إلهام ومعرفة للعلماء واللاهوتيين. في جامعة دوموني، نستقي الإلهام من شخصيات مثله... من شخصيات توفّر لنا الإرشاد الروحي والفكري في إطار سعينا إلى بناء عالم أفضل وأكثر عدلًا. سنتطرّق في هذه المقالة إلى ترسّخ إرث القديس ألبرت الكبير وسبب حفاظه على هذه الأهمية الكبيرة في عالمنا اليوم.

في البداية، كان القديس ألبرت الكبير شخصية رائدة في تاريخ العلوم، وغطّت أعماله مروحةً واسعةً من التخصّصات، بما في ذلك علم النبات وعلم الحيوان وعلم الفلك والكيمياء، وقد وضعت ملاحظاته وكتاباته الدقيقة أُسُسًا لعددٍ من التطوّرات العلمية. في الحقيقة، قدّم القديس ألبرت مساهمات عدّة في علم النبات وعلم الحيوان، ونذكر منها ملاحظاته المفصّلة عن النباتات والحيوانات. وكان لتركيزه على الملاحظة التجريبية وتصنيف أنواع الكائنات الحيّة تأثيرٌ كبيرٌ على تطوّر علم الأحياء الحديث. وله كتابات كثيرة، منها كتاب عن النبات "De Vegetabilibus" وآخر عن الحيوانات "De Animalibus"، وتُعتبر بمثابة أمثلة مبكرة عن دراسات علم الأحياء وما زالت تمتاز بمكانة جوهرية لفهم العالم الطبيعي. علاوةً على ذلك، أسهم اهتمام القديس ألبرت بالسماوات بشكلٍ كبير في مجال علم الفلك، ودرس القديس أعمال علماء الفلك اليونانيين والمسلمين القدماء ووسّع الأبحاث في هذا المجال بناءً على أفكارهم. وأثّرت رؤيته للظواهر السماوية على علماء الفلك اللاحقين كما أسهمت في تطوير علم الفلك الحديث. بالإضافة إلى ذلك، تميّز القديس ألبرت باهتمام مختلف عن الآخرين بمجال الكيمياء، الذي غالبًا ما كان يحاكي سعيًا روحيًا للكثيرين، إذ اعتمد ألبرت الكبير مقاربة استثنائية ترتكز على التزامه بفهم العالم الطبيعي. كما وضع استكشافه للمواد والخامات حجر الأساس لتطوير الكيمياء ليغدو حقلًا معرفيًا علميًا.

ثانيًا، يُعدّ ألبرتوس ماغنوس شخصية بارزة في فلسفة العصور الوسطى، ويشتهر بمساهماته الكبيرة في الدمج ما بين الإيمان والمنطق، وهو إرث يتردّد صداه في الفكر المعاصر. يتحلّى القديس بتأثير كبير على المجتمع يتجلّى في عوامل عدّة أبرزها دوره المحوري في السكولاستية أو الفلسفة المدرسية، حيث أدّى دورًا رئيسيًا في التوفيق بين الإيمان والمنطق. ففي نهجه الفلسفي، ألقى ألبرت الضوء على استخدام المنطق والتفكير النقدي، ممّا يشكّل سابقة في الفكر الفلسفي الحديث. يمتد تأثير القديس ألبرت إلى أبعد من الفلفسة المدرسية ليطال المبادئ الأخلاقية. وتبقى أعماله المتمحورة حول هذا الموضوع مرتبطةً بالمناقشات العصرية المتعلّقة بالسلوكيات البشرية والدور الاجتماعي الذي تؤديه الأخلاقيات. هذا وتتعمّق كتابات ألبرت الأخلاقية في مواضيع مهمّة مثل الفضيلة والسعادة والحياة المعنوية، وتقدّم رؤية عنها ما زالت تحافظ على أهميتها حتى يومنا هذا. بالإضافة إلى كلّ ما سبق ذكره، أسهم القديس ألبرت في علم الغيبيات (الميتافيزيقيا) الذي يضمّ وجهات نظر حول طبيعة الواقع ووجود الله من شأنها أن تشكّل عنصرًا أساسيًا في المناقشات التي تتناول الفلسفة الميتافيزيقية واللاهوت، ممّا يعزّز أهمية ألبرتوس ماغنوس الراسخة في الخطاب الفلسفي المعاصر.

وأخيرًا، ترك "دكتور" أو ملفان الكنيسة، القديس ألبرت الكبير، بصمةً خالدة في اللاهوت الكاثوليكي عبر مساهماته الكبيرة التي يتردّد صداها في المشهد الديني المعاصر. ولا تزال كتاباته ذات أهمية كبرى، لاسيما تلك التي تستكشف العلاقة المعقدة بين الإيمان والمنطق. ألقى القديس ألبرت الضوء على التوافق بين الإيمان والمنطق، مفترضًا أنّ المعرفة المكتسبة من المنطق تكمّل حقائق الإيمان وتعزّزها، وهو منظور أساسي في الحوار القائم بين العلم والدين. علاوةً على ذلك، امتلك ألبرت رؤية لاهوتية للعالم المخلوق تؤكّد على أنّ العالم الطبيعي ينسجم مع المعتقد الديني، ممّا يعكس حكمة الخالق وإبداعه. ولهذا المنظور أهميةً خاصةً في المناقشات المتمحورة حول الأخلاقيات البيئية. بالإضافة إلى ذلك، إنّ التزام القديس ألبرت بالحوار بين الأديان، لاسيما التفاعل مع العلماء المسلمين في عصره، يُعتبر بمثابة نموذج تحتذي به المساعي الحالية لتعزيز التفاهم والتعاون بين مختلف التقاليد الدينية.

يمتدّ إرث القديس ألبرت الكبير إلى القرن الحادي والعشرين، ممّا يجعله شخصية بالغة الأهمية حتى يومنا هذا. وما زالت مساهماته في العلوم والفلسفة واللاهوت تؤثّر على الفكر المعاصر والنُهج العلمية. علاوةً على ذلك، إنّ تركيز القديس ألبرت على التوافق بين الإيمان والمنطق، وعمله الرائد في مختلف المجالات العلمية، وفلسفته توفّر وجهات نظر قيّمة ومصدر إلهامٍ للعلماء واللاهوتيين المعاصرين. وفي عالم يستمر فيه استكشاف تقاطع الإيمان والمنطق والعلوم والفلسفة، تبقى أهمية القديس ألبرت الكبير الراسخة شهادةً على الطبيعة الخالدة لأفكاره ومساهماته.

في ما يلي بعض الدورات التدريبية والكورسات الفردية التي نقدمها للتعمّق في بعض المواضيع المذكورة أعلاه: