الاضطرابات النفسية والآفات الإجتماعية على ضوء القانون الكنسي (MASPAR011)
تتناول هذه المادة القانون 818 من القانون الكنسي للكنائس الشرقية، مركّزة على مفهوم الرضى الزوجي، الحكم الصائب، واللاقدرة النفسية. تدرس العلاقة بين العقل والإرادة في تكوين الرضى، وتعرض تأثير الاضطرابات النفسية، ولا سيما الذهان وانفصام الشخصية وأمراض أخرى نفسية، على أهلية الزواج. كما تبيّن المعايير القانونية المعتمدة لإثبات بطلان الزواج بسبب النقص النفسي، مستنيرة بالعلوم الإنسانية والطب النفسي
رمز المقرر: MASPAR011
أستاذ: Dr. Albert Assafمقدّمة عامة
في القانون 818، عندما تحدّد القوانين الرضى الزوجي، منشئ الزواج، فانّها تعتبر انّ النظام القانوني يستلزم، من اجل قيام الزواج صحيحا، اتمام فعل انساني، مرتكز على اهليّة فكريّة كافية وارادة طبيعيّة ملائمة. فالرضى الزواجي لا يهدف إلى عملية التقدمة الذاتيّة والقبول وحسب، بل يهدف ايضا إلى اقامة الزواج، وهو شركة حب وحياة، دائمة واستئثاريّة، موجّهة طبيعيا إلى انجاب البنين وتربيتهم وإلى خير الزوجين، والكلّ متوّج ومزدان بالنسبة إلى المعمّدين بهالة السرّ وكرامته. من هنا فإنّ عيوبا كثيرة تفسد الرضى الزوجي وتبطل الزواج في حال ثبوتها. نتوقّف في هذه الدراسة عند أسباب اللاقدرة النفسيّة المذكورة صراحة في القانون ٨١٨
لذا نستند في بحثنا هذا بنوع خاص على معطيات تشخيص الاضطرابات العقلية واحصاءاتها، بحسب النسخة الرابعة DSM-I TR، وعلى منشور التنظيم العالمي للصحة والصيدلة النفسيّة
والواقع أنّ القضاء الكنسي يدين بالكثير لطبّ النفس وعلومه، لاسهامهما في تبيان الحقيقة التي يحكم على أساسها، وهي حقيقة منبثقة من اكتشافات علميّة قيمة في عوالم الانسان
إنّ عبارة "زوج" وإن صيغت بالمفرد، تعني في ذاتها جمع اثنين وعلاقة بين واحد وآخر، والعكس، أي علاقات متبادلة ورباط معيّن يحدّد نوعيّة هذه العلاقات. وهنا يبرز زواج البشر كأشخاص. انّ نوعيّة العلاقة التي تربط الأزواج، وتحديدا بين ذكر وأنثى، انّما هي أيضا علاقات حميمة مصبوغة بطابع جنسيّ وموجّهة نحو الانجاب. كما انّ فيزيونوميّة الزوجين تؤكّد اكتمال الواحد بالآخر، وعدم امكان اتمام الدور باستغناء أحدهما عن الآخر. انّها مسائل معقّدة، تتداخل فيها مكوّنات الشخص البشري، قلبا وعقلا ونفسا، الأمر الذي يشير إلى ضخامة الموضوعات الممكن أن تطول هذه المؤسّسة التي قامت عليها استمراريّة المجتمعات
إنّ شركة الحبّ والحياة التي جهّزها الخالق بشرائع خاصة بها، وأرسى أسسها في رضى شخصي لا رجوع عنه، يهدف بطبيعته إلى خير كلّ من الزوجين والبنين، إنّما تتطلّب قدرة خاصّة لإعلان الرضى بشأنها. والقدرة هذه تتجسّد في الواقع الزواجي استعدادات وسلوكيات تسمح بتحقيق علاقة شخصيّة ثنائيّة متبادلة
فبالخلاصة، كي يكون الرضى الزوجي صحيحاً، أي من أجل صحّة الزواج، على المتزوّجين أن يتمتّعا بقدرة مثلثة الجوانب: فهم موضوع الرضى، وتقديره بطريقة نقديّة، والنهوض بأعبائه الرئيسة
نتّبع في منهجيّتنا، ارساء للمفاهيم العامّة أولا، لكلّ مرض أو انحراف أو خلل أو اضطراب أو أيّ حالة نفسيّة أخرى، بحسب مراجع باتت ركيزة علميّة هامّة، بغير أن ندّعي ابتكارها أو تحليلها، لنعرض بعدها مجال عملنا وهو ماهيّة تقويمها أمام القانون الكنسي، بعلاقتها مع صحّة الرضى الزوجي المعلن
وبعد، يتناول بحثنا قسمين عامين: الاوّل هو مفاهيم عامّة للقانون ٨١٨، ببنوده الثلاثة، التي يشكّل كلّ منها فصلا على حدة، وتضاف اليها مسألة العلاقة بين هذه البنود، ثمّ مسألة تطابق الأحكام، ويُختم في الكلام على الخبرة النفسيّة
أمّا القسم الثاني، فيتناول الأمراض والاضطرابات والعلل والشذوذ النفسيّة وسائر الأحوال النفسيّة التي قد يكون لها أثرها في الرضى الزوجي، فيتكلّم في الفصل الأوّل على الذهان، وفي الفصل الثاني على الكحوليّة والادمان على المخدّرات أو بدونها، فعلى العصاب في الفصل الثالث، ثمّ على النضج النفسي والعاطفي في الفصل الرابع، فعلى الاضطرابات الشخصيّة في الفصل الخامس، ثمّ على الاضطرابات الجنسيّة في الفصل السادس، ليُختم في الفصل السادس بالكلام على مسألة التنافر في الطباع
الأهداف التربوية
بنهاية المادة، يُفترض بالطالب أن يكون قادرًا على
فهم معنى الرضى الزوجي في القانون الكنسي-
تمييز عناصر الحكم الصائب وشروطه-
التفريق بين نقص الحكم الصائب واللاقدرة على تحمّل موجبات الزواج-
إدراك دور الاضطرابات النفسية في بطلان الزواج-
تحليل حالات واقعية على ضوء القانون 818-
الربط بين المعطيات النفسية والاجتهاد القضائي الكنسي-
تنمية حسّ نقدي قانوني وإنساني في مقاربة قضايا الزواج-
محتوى المقرر
-مقدّمة
I- الأمراض التفسيّة
- الفصل الأوّل: الذهان
- الفصل الثاني: العصاب
- الفصل الثالث: الإضطرابات الشخصيّة
II- الكحوليّة والإدمان
III- الإضطرابات الجنسية
IV- التنافر في الطباع
- الخاتمة
الخاتمة
انّ هدف هذه الدراسة لم يكن توسيع مراوح الممكنات في حلّ هذه المؤسّسة، أو تعزيز الأسباب وتوفير الدوافع للتبرّؤ من رباطها، في عمليّة استلحاقيّة مسايرة، بل التأكيد أنّ الاضطراب، وقد يشكو منه أي إنسان، سواء تحت وطأة ضغوطات معيّنة، أم في مراحل محدّدة من حياته، ليس سببا كافيا بذاته للتملص من موجبات الزواج الرئيسة. انّ بعض الآفات والاضطرابات قد تكون عابرة، وبعضها قد يكون ناشئا، وبعضها قابل للشفاء، وما من اضطراب يمكن أن يطول ديمومة الزواج أو صحّة الرضى، منشئ الزواج، الا اذا كان بنيويّا وخطيرا، على نحو تتعذّر معه أيّ انطلاقة لمسيرة زوجيّة سليمة. فالكنيسة تصرّ بحزم دائم التجدّد، منذ بعض السنين، على الثقة الواجب تأديتها للشخص البشريّ وحرّيته وكرامته وقيمه، وعلى الرجاء في عمل اللّه الفدائيّ في العالم، الذي يساعدنا على التغلب على ضعفنا. وفي الوقت عينه، تعبّر الكنيسة عن اهتمامها العميق تجاه التعدّيات الكثيرة التي تلحق بالشخص البشريّ وكرامته، بمناهضتها بعض المبادئ المسبقة الايديولوجيّة الخاصة، بما يسمّى حضارة "ما بعد المعاشرة"، التي تُظلم على القيم الناجمة من متطلبات حقيقة الكائن البشريّ الداخليّة، وتجعل عيشها صعبا. فعندما تُفصل الحريّة عن الحقيقة، تنعدم مرجعيّة القيم العامّة، وتتوغّل الحياة الاجتماعيّة في رمال نسبيّة مطلقة متحرّكة، ويصبح حينئذ كلّ شيء مادة للاتّفاق وللمساومات، حتّى حول أوّل الحقوق الأساس، وهو الحقّ بالحياة
وقد آثرنا اعطاء تحديد علمي لنوع الاضطراب، الا أنّنا لا ندّعي سعة المعرفة في هذا المجال، فنستنير بآراء أصحاب الاختصاص ووقوفهم الدائم والكلّي على التحاليل والاكتشافات، لنضع في خدمة الزملاء، قضاة ومحامين ودارسين، أبرز ما يستقرّ عليه القانون والاجتهاد الروتالي ولدى المحاكم المحلية، أمام كلّ حالة وتوصيف
